المقريزي

مقدمة 50

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وزعم الذّهبيّ ، في النّصف الأوّل للقرن الثّامن الهجري / الرابع عشر الميلادي ، أنّ نظام الملك - وزير السّلاجقة الشّهير - هو أوّل من بنى المدارس ، ولكنّنا رأينا - فيما سبق - أنّ الغزنويين سبقوا السّلاجقة في ذلك بالمدارس التي أنشأوها في نيسابور ومرو ، ويعلّق السّبكي على ذلك بقوله : « ويغلب على ظنّي أنّ نظام الملك هو أوّل من قدّر المعاليم للطّلبة » « 1 » - أي الجرايات والرّواتب لمن يدرس فيها ، وإن كان العزيز باللّه الفاطمي قد سبقه إلى ذلك - في أواخر القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي - مع الفقهاء الذين كانوا يتحلّقون في الجامع الأزهر بالقاهرة ( فيما يلي 294 ، 452 ) . ويرجع تاريخ أوّل مدرسة أنشأها نظام الملك ، وهي « نظاميّة بغداد » ، إلى سنة 459 ه / 1066 م « 2 » ، ثم توالى بناؤه للمدارس حتى قيل إنّ له في كلّ مدينة بالعراق وخراسان مدرسة عرفت جميعها ب « النّظاميّة » « 3 » . وهكذا أصبحت « المدارس النّظاميّة » مؤسّسة سياسيّة تخضع للإشراف الرّسمي للدّولة لتدريس الفقه على المذاهب الأربعة مع إفساح مساحة كبيرة للمذهب الأشعري . ولم يرتبط هذا الانتصار وهذه المدارس فقط باسم نظام الملك ، ولكن أيضا بأعلام المذهب الأشعري كأبي إسحاق الشّيرازي وأبي بكر الباقلّاني وإمام الحرمين الجويني وحجّة الإسلام الغزالي ، الذين كان لهم دور كبير في قبول جمهور أهل السّنّة للمذهب الأشعري . وانتشرت المدارس السّنّيّة وذاعت في العراق في القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي ، حتى إنّ ابن جبير - الذي زار العراق نحو سنة 580 ه / 1184 م - يشير إلى وجود نحو ثلاثين مدرسة تقع جميعها في الجانب الشّرقي لبغداد « 4 » . وفي هذا الإطار أدخل السّلاجقة عن طريق الزّنكيين المدارس إلى الشّام في القرن السّادس الهجري / الثّاني عشر الميلادي كمؤسّسة قويّة للدّعاية الدّينية والسّياسية لنشر المذهب الأشعري ،

--> ( 1 ) السبكي : طبقات الشافعية الكبرى 4 : 314 ؛ السيوطي : حسن المحاضرة 2 : 255 - 256 . ( 2 ) ابن الجوزي : المنتظم 8 : 238 ، 246 - 247 ؛ ابن الأثير : الكامل 10 : 55 ؛ ابن خلكان : وفيات الأعيان 2 : 129 . ( 3 ) السبكي : طبقات الشافعية الكبرى 4 : 314 . وبلغت المدارس النّظاميّة تسع مدارس في الموصل والبصرة وأصبهان وآمل وطبرستان ومرو ونيسابور وهراة وبلخ ، بالإضافة إلى نظامية بغداد . ( Makdisi , G . , op . cit . , p . 4 ) . ( 4 ) ابن جبير : الرحلة 205 .